حياة الشيخ عبد القادر قباني الشخصية
كلمة القبّاني تدل على الحرفة وقد ذكر الكونت فيليب دي طرزي في كتابه "تاريخ الصحافة العربية،" أن أصل عائلة القبّاني البيروتية من الحجاز ثم انتقلت إلى جهات العراق فأقام أجداده فيها. وفي عهد الحروب الصليبية أقبل بعضهم الى سوريا وانضموا إلى جيوش السلطان صلاح الدين الايوبي. فسكنوا أولا في مدينة جبيل بلبنان ثم تحولوا إلى بيروت في العهد العثماني أصبح مصطفى آغا القباني، والد الشيخ عبد القادر، قائداً للعسكر في مدينة عكا في عهد واليها عبد الله باشا. وقد تصدى مصطفى آغا لحصار إبراهيم باشا لعكا ببسالة أثارت إعجاب الأخير، وخلال هذه المعارك أصيب مصطفى آغا وأسر فقام ابراهيم باشا بإرساله إلى والده محمد علي باشا في مصر مطلعاً إياه على ما أظهره الآغا من شجاعة وإقدام في الدفاع عن عكا يستحقان الإعجاب والتقدير.
حاول محمد علي باشا، والي مصر، إقناع القبّاني بالإنضمام اليه، فعرض عليه أن يجعله أمير لواء مقابل أن يخلص اليه إخلاصه لعبدالله باشا. لكن المناصب والأموال لم تغر القبّاني فرفض ان يحيد عن ولائه لعبدالله باشا والسلطان العثماني الذي كان يمثل بالنسبة اليه الخلافة الإسلامية. أخذ مصطفى آغا يماطل إلى أن سنحت له الفرصة للهروب إلى الآستانة حيث لاقى من الإستقبال قدراً كبيراً. إلا أن هذا الهروب والتحدي لمحمد علي باشا أثارا سخط هذا الأخير ودفعاه للإنتقام من عائلة مصطفى القبّاني الموجودة في بيروت فقام بنفيها إلى قبرص حيث أقامت طوال عشر سنوات إلى أن دحر الوالي المصري، فعادت العائلة إلى بيروت حيث ولد الشيخ عبد القادر القبّاني في منطقة زقاق البلاط في العام 1848م.
أما حياته الشخصية فيذكر أنه تزوج مرات عدة في حياته، زوجته الأولى هي السيدة صفية السجعان التي أنجبت له مصطفى، وكان يعمل ضابطاً في الجيش التركي توفي في حياة والده. وبعد وفاة زوجته تزوج الأميرة عليا شهاب حفيدة الأمير بشير شهاب، التي أنجبت له من الذكور نجيب، نور الدين، عدنان، ورشدي. ومن البنات سعدية، لطفية، ورئيفة. ثم تزوج عند كبر سنه السيدة غفران صباغ التي أنجبت عبد الرحمن. ومن زوجات الشيخ أيضاً السيدة فاطمة نضر تزوجها عند كبر سنه أيضاً. ولم تنجب له وبعد وفاته قررت البقاء مع عائلته وعاشت بينهم. ولقد سكن عبد القادر القباني وعائلته في منطقة زقاق البلاط (خلف الاطفائية الحالية) في شارع سميّ باسمه، لكن منزله أزيل وأقيم مكانه جسر باسم عبد القادر القبّاني.[3]
بينما كان لبنان تحت الحكم العثماني في القرن التاسع عشر، تأسست مدارس إرسالية إنكليزية وأميركية ومن جنسيات أخرى لم يكن همها تنمية الحس الوطني والشعور القومي مما شكّل ضعفا في تربية الناشئة تربية وطنية قومية. تنبّه المعلم بطرس البستاني لهذا الخطر، وإدراكاً منه لأهمية التنشأة المدرسية في زرع القيم الوطنية قام بإنشاء "المدرسة الوطنية" سنة 1863م في منطقة زقاق البلاط. هدفت المدرسة الوطنية لتأمين مستوى تعليم يوازي المدارس الأجنبية الراقية ويكون متاحا لجميع أبناء الوطن دون تمييز في الدين أو المنطقة أو الطبقة الإجتماعية.
إلتحق الشيخ القبّاني بالمدرسة الوطنية بعد أن كان قد حصّل تعليمه الأولي في الكتاتيب الإسلامية. كانت هذه المدرسة تختلف عن الكتاتيب من حيث المعلمين ومنهاج التدريب الذي كان يشمل المواد الأجنبية: الفرنسية والإنكليزية واليونانية فضلاً عن اللغة العربية لغة أهل البلاد القومية إضافة إلى الحساب ومختلف العلوم الأخرى، فتوفر للشيخ القبّاني أفضل التعليم من لغات وآداب وفلسفة في جو وطني وشرقي بعيد عن تأثير الإرساليات. وقد أشرف على دراسته عدد من ألمع شخصيات ذاك العصر في مختلف الميادين سواء الأدب أو القضاء، الفقه والدين، من هؤلاء نذكر: الشيخ عبد القادر الخليلي، الشيخ محي الدين اليافي، الشيخ ابراهيم الأحدب، والعالم الشاعر الشيخ يوسف الأسير.
في سنة 1354 هـ ظ 1935 م إنتهت رحلة الشيخ عبد القادر قباني في هذه الدنيا بعد عمر ناهز التسعين قضاه في خدمة بلده وأهله فكان أحد أهم شخصيات عصره ودفن في جبانة الباشورة وهي الأرض التي شهدت ولادته وأقام فيها ووضع خططه الكبيرة لأهل بلاده وعقد الإجتماع التأسيسي الأول لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية
