Education

Education

تحصيله العلمي:

بينما كان لبنان تحت الحكم العثماني في القرن التاسع عشر، كانت الإرساليات الأجنبية تتوسع في النفوذ والعدد وهدفها الرئيسي إضعاف السلطنة العثمانية و زرع بذور الفتنة والتفرقة الطائفية في المنطقة. لم يكن الإنتماء الوطني من شواغل المدارس التي أسستها هذه الإرساليات، على العكس كانت تركز في مناهجها على التربية الدينية المسيحية، على التشكيك بالسلطة العثمانية، والأهم على خلق نوع من الإرتباط الثقافي بالغرب.  

تنبه المعلم بطرس البستاني لهذا الخطر، وإدراكاً منه لأهمية التنشأة المدرسية في زرع القيم الوطنية ودرء خطر الطائفية، خاصة بعد فتنة 1860 بين الدروز والمسيحيين في الجبل، قام بإنشاء " المدرسة الوطنية" . هدفت المدرسة لتأمين مستوى تعليم يوازي المدارس الأجنبية الراقية لجميع أبناء الوطن دون تمييز في الدين أو المنطقة أو الطبقة الإجتماعية. حيث وضع بطرس البستاني 14 مبدأ أساسياً للمدرسة الوطنية، والمبدأ الثالث هو الأهم خصوصاً بالنسبة الى ذلك العصر. ينص المبدأ المذكور على "أن المدرسة الوطنية تقبل تلامذة من جميع الطوائف والملل والأجناس، من دون أن تتعرض لمذاهبهم الخصوصية أو تجبرهم باتباع مذهب غير مذهب والديهم، مع إعطاء الرخصة التامة لهم في إجراء فروض ديانتهم وقد جاء هذا الموقف مناهضاً تماماً لمواقف المدارس التبشيرية الغربية وجعل من المدرسة الوطنية ظاهرة في ذاك الوقت حيث كانت المدارس تتوجه إما لطوائف معينة أو لطبقات إجتماعية محددة.  

في سنة 1863 جرى إفتتاح المدرسة الوطنية في محلة زقاق البلاط خارج سور مدينة بيروت من الجهة الغربية، وهي المنطقة ذاتها التي ولد فيها الشيخ عبد القادر قباني وحيث يقع اليوم الشارع الذي أطلق عليه اسمه.

إلتحق الشيخ قباني بالمدرسة الوطنية بعد أن كان قد حصّل تعليمه الأولي في الكتاتيب الإسلامية. على عكس الكتاتيب كانت المدرسة الوطنية تضج بغنى ثقافي من حيث طاقم التعليم ومواد التعليم التي كانت تشتمل على المواد الأجنبية: الفرنسية والإنكليزية واليونانية فضلاً عن اللغة العربية لغة أهل البلاد القومية إضافة الى الحساب ومختلف العلوم الأخرى. وكان أن توفر للشيخ قباني أفضل التعليم من لغات وآداب وفلسفة في جو وطني وشرقي بعيد عن تأثير الإرساليات. هذا وقد أشرف على دراسته عدد من ألمع شخصيات ذاك العصر في مختلف الميادين سواء الأدب أو القضاء والفقه والدين، من هؤلاء نذكر:

الشيخ عبد القادر الخليلي

الشيخ محي الدين اليافي

الشيخ ابراهيم الأحدب (وكان من أبرز العلماء في الأدب والفقه واللغة)

العالم الشاعر الشيخ يوسف الأسير من صيدا

إضافة الى هذه المجموعة من كبار العلماء، كان الجو المنزلي مدرسة ثانية للشيخ قباني حيث كان والده مصطفى آغا القباني أحد أهم أعيان بيروت. إجتمعت هذه المناهل لتروي عقلاً متعطشاً للمعرفة محباً للعلوم والفنون والدين والفقه ولتنعكس فيما بعد في شخصية الشيخ القباني ومنطقه ومقاربته لشتى المواضيع؛ فنراه بصيراً ذا رؤية بعيدة وتصوراً للمستقبل قلّ نظيرهما فبرع في كل مجال خاضه وجمع في شخصه رجل الدين والفقه المنفتح والعميق والملّم بتفاصيل دينه، القاضي العادل النزيه والمتمكن من القانون، رجل الدولة والسياسي المحّنك الذي يوازن جميع القوى على الساحة اللبنانية من السلطنة العثمانية الى الدول الأجنبية والقوى الداخلية للحفاظ على توازن لبنان وحياده واستقراره؛ الى هذا كان أيضاً المصلح الإجتماعي المدرك للأبعاد المستقبلية لأدق التفاصيل في ذاك الوقت فنراه يرّكز على ضرورة تعليم المرأة وتثقفها والعمل على إلغاء الفوارق والتفاوت بين الطوائف حفاظاً على وحدة البلاد إضافة الى رفع المستوى المعيشي من خلال إنشاء المستشفيات والمدارس وكل هذه أمور عمل عليها خلال حياته ولم يكتف بلفت الإنتباه اليها. كما اجتمع في شخصه الرجل الأكاديمي والمربي الذي برز من خلال تأسيسه للمقاصد ومن خلال نشره لعدد من الكتب المتعلقة بتعليم مبادىء اللغة العربية، ورجل الأعمال الناجح سواء من خلال تدبره إيجاد وإدارة التمويل الضروري لإنشاء جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية ومدرسة الصنايع الى جانب كونه أول من حصل على رخصة للتنقيب عن الحديد والبترول في الأراضي اللبنانية والسورية.          

الى الشيخ قباني، قامت المدرسة الوطنية بتخريج عدد من أبرز حملة الأقلام في العالم العربي الى أن إضطرالمعلم بطرس البستاني الى إغلاقها في العام 1871 م بسبب المنافسة الكبيرة من المدارس الطائفية ومدارس الإرساليات الأجنبية التي كانت أكثر إستقطاباً للطلاب. وهكذا طويت الصفحة على مدرسة كانت إستثنائية الى الحد الذي جعل منها محطة لا بد من التوقف عندها في تاريخ لبنان. تقديراً لهذا الدور تقدم النائب كاظم بن الصلح بإقتراح بشراء مبنى المدرسة فتبنت الدولة اللبنانية هذا الإقتراح وقامت بشراء المبنى وأعتبرته من التراث الوطني.