Al Hijaa Book

Al Hijaa Book

كتاب الهجاء لتعليم الأطفال – طبع بمطبعة جمعية الفنون سنة 1296

أ‌-   السلوك:

يجب على كل مخلوق من نوع الإنسان أن يتكلم بالصدق في كل الأحوال ولا يكذب فإن الكذب من النقائص الفاضحة لقوله صلى الله عليه وسلم ويلٌ للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له وقد كرره صلى الله عليه وسلم إعلاماً بشدة هلكته لأن الكذب وحده رأس كل عمل مذموم وفضيحة وإن كان لإستجلاب الضحك.

واعلم بأن الضحك يميت القلب ويورث النسيان ويحط بقدر المرء الى غير ذلك مما يدل على أنه أقبح القبائح.

يلزم أن يكون نهوضك من الفراش باكراًأي قبل شروق الشمس لأداء فرض الفجر في وقته وان تحمد مولاك الذي حفظك في ليلتك بالصحة والعافية وتشكره على نعمته الوفية التي لا تعد.

وبعد أداء تلك الفريضة يلزمك الذهاب الى المدرسة في الوقت المعين ويجب قبل الخروج من البيت ان تحسن لبس ثيابك وان تزيل الوسخ لئلا تبتعد أقرانك عن مصاحبتك واجتهد على طلب دعاء الوالدين في سائر الأوقات.

وبالحضور الى المدرسة يجب السكوت وعدم الحركة بلا إحتياج وعدم التفكر بغير الدرس والتعلم

واحرص على ملابسك من الأوساخ والتمزيق فبنظافة ثياب المرء وحسن هيأته يستدل على أدبه

ومن الحسن الحضور الى المدرسة والذهاب منها بالترتيب وعدم التعرض لأحد واجتناب اللعب والوقوف في الطرقات والأسواق ورفع الصوت واستعمال الكلام القبيح والألفاظ التي لا يليق ذكرها والإستهزاء بالناس والمخاصمة فإن مثل ذلك لا يحمد فاعله

وإذا دخلت المدرسة فاجتهد بالدرس وإقتباس المعارف لأنها كنوز الثروة والنجاح وعليها قوام الأمم والدول مما لا مرية فيه.

وإياك والكسل فإنه الآفة العظمى لنوال المعارف وهو المنشأ الأول للجهل الذي هو منشأالفقر

ولا تضيع زمن صبوتك بالكسل وكن في الدرجة الأولى من الإجتهاد لأن الوقت من ذهب والتأخير آفات وما يجنيه الإنسان في زمن الصبوة هو رأس مال الحياة

ولنورد عليك ما قيل في ترويح النفس في بعض الأحيان إذا اقتضت الحال وهو قول الوزير أبي الفتح البستي

أفد طبعك المكدود بالجد راحة          يجم وعلله بشيء من المزح

ولكن إذا أعطيته ذاك فليكن       بمقدار ما تعطي الطعام من الملح

أي بشرط أن لا يخرج المزح عن دائرة الصدق والأدب ومن الموافق طاعة الوالدين والخضوع لهما بما لا يضر بالدين لقوله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا ولقوله تعالى ولا تقل لهما أف ولا تقهرهما وقل لهما قولاً كريما وأخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً ولقوله صلى الله عليه وسلم امك امك ثم اباك

وعليك بطاعة المعلمين واحترامهم لأن المعلم هو مربي الروح والأبوان مربيان للجسد ولا يقوم جسد بلا روح وهو منهلك من نفيس العلوم والأداب ما هو أثمن من الجواهر واليواقيت ويجب عليك احترام المدرسة وقوانينها لأنها هي الأم التي تغذيك بلبان المعارف التي تمتاز بها عن الحيوان وحافظ كل المحافظة على كتبك ودفاتر الكتابة من الأوساخ والتمزيق ولا تمسح القلم بملابسك أو شعرك كما يفعل بعض الجهلاء. ولا يبد على أطرافك المداد فإنما يستدل على أدب المرء بنظافته فعليك بالنظافة التامة ومداراة الملابس مما يستقبح نظره

امرنا بالسكوت عند قرأة القرآن الكريم والإصغاء الى التالي بتدبر ما يتلوه بقدر الإستطاعة لقوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون

ويجب على التالي احترام القرآن الطريم وطهارة البالغ من الحدثين وغير البالغ للتخلق والإعتياد

ومن الفروض التي يجب أداؤها في كل يوم والمحافظة عليها الصلوات الخمس في أوقاتها لقوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين

ويجب توقير العلماء وكل من يخدم الوطن بالأمانة والتشبه بمن يكون محمود السيرة بين الناس

ومن السلوك الحسن المطلوب معاشرة كل من الناس باللطف والبشاشة والصدق والأمانة وترك استعمال الأمر والنهي بلا ضرورة ملجئة ومناداة الصديق بأحب أسمائه عليه وابتعد عن الأردياء واجتنب الغيبة والنميمة وكل محظور شرعاً وادباً لقوله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً وإذا اغتاب أحد غيره في حضورك فلا تشاركه في سوء حديثه فإن كان المغتاب أكبر منك قدراً فآصمت وأظهر علائم عدم رضاك وان كان من أقرانك فقدم له النصح برقة وازجره اذا كان أحقر منك وإياك من نقل ذلك الحديث الذميم فما بلغ السوء إلا من نقل ومن أمثال العامة أغاظني من بلغني

حافظ على كتم سر غيرك مثل سرك وإياك من إفشاء السر فصيانة الأسرار مما تقتضيه مكارم الأخلاق ويوجب الثناء من الناس ورحم الله القائل

كل الأمور تبيد عنك وتنقضي        الا الثناء فإنه لك باق

ولو أنني خيرت كل فضيلة          ما اخترت غير مكارم الأخلاق

 

ب‌-   الآداب العامة:

ان بين الآداب الحقيقية والشريعة الغراء رباطاً محكماً لا ينفك فالذي تأمرنا به الشريعة يأمرنا به الأدب والذوق السليم فكما يأمرنا الدين بعدم سلب مال احد بلا موجب والإيقاع به وسبه وشتمه وثلم أعراض الناس الى آخره فكذا الأدب الحقيقي ينهانا عن جميع ذلك فيتضح مما ذكر أن الشريعة والأدب شيء واحد وأن الله تعالى وهبنا الحرية التامة في هذه الدنيا ولم يقيدنا الا بشريعته المطهرة التي تأمرنا بالبر والإحسان وتنهانا عن المنكر فمن هذب أخلاقه وحسن طباعه سلك في منهج الشريعة فأرضى الله عنه في الدنيا والآخرة واعلم أن الله تعالى واحد لا شريك له ولا والد ولا ولد وقد خلق السموات والأرضين والنجوم والكواكب والبحار والأنهار وكل موجود منظوراً كان أو غير منظور. وقد خلقك ايها الغلام لتعبده وتمجده وتسبحه في الغدو والاصال وان من عبادته ومرضاته معاشرة الناس بالخلق الحسن * قال الحكيم أن الوجه مرآة النفس وهو دليل على طهارة القلب ومنه يعرف الإنسان السليم الذوق والمستقيم الطبع فإذاً لا شيء أقبح من وجه عبوس عند السرور والصفاء ولا أشنع من وجه يضحك عند المصائب والأحزان فمن الواجب على الإنسان أن يراقب الزمان والمكان في حالتي السراء والضراء فلا يضحك في غير وقت الضحك ولا يعبس في غير وقت العبوسة ومن المستهجن أن يرفع الإنسان صوته في الطرق أو في المحافل العمومية فإن الصوت المرتفع يجل على قلة الحياء الذي هو من الإيمان وعدم التهذيب كما أن الصوت المنخفض جداً يدل على الجبن والبلادة وخيار الأمور أوساطها ومن الأداب أن لا تلتفت من جهة الى اخرى فقد قيل ان العيون ادلة على الإحساس الباطني فمن القبيح ان يصدر عنها دلائل مغايرة للأداب ولا تجاوب من يخاطبك بإشارة الكتف أو الرأس أو العين بل أنظر اليه بعين الوقار وجاوبه بما لا يخرج بك عن دائرة الاداب بعد التروي والإمعان وفهم سؤاله

ثم إعلم أن للآداب ضروباً متعددةمنها الإحترام والوقار لمن يستحقه فيجب على الدوام إحترام من يكون أكبر منك سناًوإلتزام السكينة والهدوء في كل الحالات ومنها آداب المعاشرة مع الأقران والإخوان فضلاً عن غيرهم فإن وفيت بذلك تعد من المهذبين الكريمي الطباع فتهذيب الأخلاق وحسن المعاشرة من أعظم ما يتردى به الإنسان فإذا تقرر ذلك وعلمت أن إحترام غير الوالدين واجب فما قولك في من أمرك الله سبحانه وتعالى ووصاك رسوله وصفيه صلى الله عليه وسلم به وهما أبوك وأمك وقد قال صلى الله عليه وسلم أن من أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس وعقوق الوالدين من أسباب زوال الإيمان والعياذ بالله فلا تتهاون عن إكتساب رضاهما في جميع الأوقات لأن شريف النفس كريم الأخلاق يعلم يقيناً أن أوجب الواجبات عليه شكر والديه وإرضاؤهما إذ هما أصل وجوده وسبب صونه من الأعراض الطبيعية وتحملهما الأتعاب لراحته والكريم من يقابل الإحسان بالإحسان فإرتباط الآباء بالأبناء مما يقتضيه انتظام العائلة ويلزم أن يكون لهذا الإرتباط احكام صحيح الا وهو العدل بين الأبناء ما أمكن وحسن التربية والتهذيب.

ثم إعلم أنه يجب عليك إذا أردت الدخول الى بيتك أو عبره أن تعلم أهل المنزل بذلك فإن أذن لك بذلك فادخل وسلم باحترام ودخولك بلا إذن تعدٍ على الآداب وإن دخلت على قوم فسلم بوقار واجلس حيث تجد محلاً بعد تحية الجلاس ولا تزاحم بالجلوس ولا تقاطع الحديث بل أجب عما تسأل عنه وتجنب فرقعة الأصابع والحركات المخلة ولا تحول نظرك عمن يخاطبك أو تخاطبه وتجنب اللعب باليد فإن عاقبته في غالب الأوقات لا تكون حميدة ولا تطل الجلوس اذا وجدت اهتمام القوم بأمر أخفوه عليك ولا تبصق من النوافذ قبل النظر هرباً من أذية المارين

وأدب الطعام أن تغسل يديك قبل الطعام كما تغسلهما بعده أيضاً وتأكل مما يليك ولا تجل بيدك في أواني الطعام ولا تأت ما يوجب القرف قولاً كان أو فعلاً ولا تنكش أسنانك بأظافرك ولا تقرض أظافرك بأسنانك ولا تنكش أنفك بيدك وحوّل وجهك عن الطعام عند العطاس والسعال واستر فمك بيدك ولا تتكلم مع التثاؤب بل استر فمك بيدك واستعذ وذلك في جميع الحالات والخلاصة يحسن بك أدباً أن تتجنب كل ما تستقبحه من عمل أو قول من غيرك

 

ما يطلب الإنسان:

لا تطل وقت النوم لئلا تصبح في قيد الكسل والإرتخاء وتبقى في نهارك كله محلول القوة والنشاط واعلم أن الله تعالى خلق الإنسان للعمل والكسب وأمره بالسعي وجعل فيه ميلاً طبيعياً لينتبه الى النهار الذي يدعوه للعمل لا للنوم. ولا تنم أكثر من سبع ساعات اذا كنت في حال صحتك التامة وانهض باكراً من فراشك لأن البكور مبارك فيه لقوله تعالى الصلاة والسلام بورك لأمتي في بكورها كما أنه عادة حميدة تنشط الجسم وتشد الأعضاء ولا تكثر السهر فإنه يضني الجسم ويصفر الوجه وراع أمر ستر جسدك فإن الذين يعّرون أجسادهم أمام غيرهم بدعوى عدم التكليف هم عديمو الأدب حقيقةً فاجعل لبسك بدرجة اللياقة فإن الغطرفة في اللبس ضرب من الكبرياء ومجد الإنسان الحقيقي تثقيف عقله لا أن يزين منظره الخارجي ولتكن سليم القلب خائفاً من الله تعالى خجلاً من الناس في جميع ما تستقبحه من غيرك

 

النساء:

إن النساء عليهن اصلاح هيأة المنزل الداخلية بتفقد افراد من فيه من العائلة وهن المربيات الأول للأولاد فإذا كنّ مهذبات أمكنهن تهذيب أولادهن وترشيحهن لإكتساب الأداب والمعارف ولا شك أن تهذيبهن يجلب الخير لبيوت رجالهن لعلمهن بواجبات البيت والرجل فلا يناصبنه الشر الذي يذهب بعمار المنزل وتضييع لذة المعيشة وإذا لم يكن من تهذيبهن الا تربية الأولاد فضلاً عن ترتيب أمر المنزل وغير ذلك من الأمور لكان من أعظم ما يطلب منهن وقد كانت العرب وكذلك الأوروبيون يفضلون ذات الأدب والمعارف على ذات الجمال لأنها عون الرجل على ما ذكر من الخصائص الحسنة. أما قلة ادابهن فتوجب لهن عدم الإحترام والحظوى والأحرى أن يقال شتم مربيهن فضلاً عما يحصل لأبويهن من الغم على ما يكون على ما يكون عند رجالهن مما هو معلوم   

 

فائدة تعليم البنات:

من المعلوم أن هذا النوع اللطيف المزاج الرقيق الطبع جعلهن واجب الوجود جل شانه شركاء الرجال في عمران الكون وجعل لكل من الرجال وظائف محدودة ولما كانت وظائف الرجل مختلفة كانت المعارف المطلوبة في حق النساء مختلفة أيضاً عن علوم ومعارف الرجال ومن البين أن التقدم والعمران لا يكون بدون العلم وقد ظهر مما تقدم وجوب ملائمة الشريكين لتحسن النتيجة ولا شك أن سلامة النوع الإنساني وتقدمه لا يكون إلا بترقي نوع النساء الى درجة المعارف التي تستدعيها فطرتهن وأقلها معرفة مبادئ القراءة والكتابة والحساب خصوصاً مبادئ العبادات الدينية والعقائد فإن معرفتها بلغة قومها يجديها نفعاً ويحسن مخارج ألفاظها ويطلعها على الواجبات المطلوبة منها. ولها بمطالعتها المطولات الموضحة لهذه الأداب فوائد كلية منها معرفة حقوقها الذاتية وواجبات الغير اليها الأمثل فالأمثل وخصوصاً وهو الأهم استفادتها فوائد تربية أولادها بحيث يرتضع الطفل مبادئ التهذيب وأفاويق لغته والخصال الحميدة مع لبانها. وجهل الوالدة ونتائجه معلومة فلا حاجة الى تسويد بعض هذا الكتاب بذكرها. ومن الضروري اطلاعهن على التاريخ ولا أقل من إطلاعها على تارخ جنسها ووطنها لتعلم ما نابه من صروف الدهر وعجائبه مما يوسع دائرة تدبيرها عند المصائب ويجعلها في درجة الإقتدار على التمييز بين الضار والنافع بناء على القياس وتنظر بعين الفكر الى من فنيت أجسامهم وذكرهم الجميل خالد هذا لطهارته وعفته وتلك لشهامة نفسها وصبرها وذاك لشجاعته واستقامته وهذاك لمعارفه وما قرره من العلوم الباقي أثر نفعها الى يومنا هذا الى غير ذلك من الإكتساب وبدل أن تحدث أطفالها بالخرافات التي تجعل الولد جباناً مثل تخويفه بالغول (والبعبع) وما شاكل ذلك، تقص على اطفالها سيرة السلف الصالح والصالحات وشهامةالشجعان في الحروب وسخاء الكرماء وتجلد أصحاب البلاء وشهرة العلماء والأدباء ومفاخر فضل خدمة الأمة والوطن ومن له في ذلك أوفر نصيب لنزرع في رياض أفكارهم منذ نعومة الأظافر أخلاقاً كريمة وأفكاراً مستقيمة ومقاصد صالحة خيرية تبعث فيهم سعة التصورات التي تنور بصيرتهم ويكسبهم أدباً يزين أيام حياتهم ومستقبل حالتهم المادية وتحصيل المعيشة الهنية المرتبة ولو أردنا تعداد منافع تعليمهن لأقتضى المقام كتاباً مخصوصاً لكنا اكتفينا بهذه العجالة

 

فضل العلم من حيث هو

قال الله تعالى في كتابه العزيز انما يخشي الله من عباده العلماء. وقال عز من قائل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. وقال جل جلاله يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلم العلم من المهد الى اللحد. وقال عليه الصلاة والسلام تعلموا العلم فإن تعلمه لله حسنة ودراسته تسبيح والبحث عنه جهاد وطلبه عبادة وتعليمه صدقة وبؤذله لأهله قربة. وبالعلم يعلم الحلال والحرام وهو الأنيس في الوحشة والمحدث في الخلوة والصاحب في الغربة والطريق الى السراء والمعين على الضراء والزين عند الاخلاء والسلاح على الأعداء وبه تنال منازل الأبرار ويعد به صاحبه من الأخيار والفكر في العلم يعدل الصيام ومذاكرته تعدل القيام. وعن النبي صلى الله عليه وسلم يوزن مداد العلماء ودماء الشهداء يوم القيامة فلا يفضل أحدهما على الاخر ولغدوة في طلب العلم أحب الى الله من مائة غزوة ولا يخرج أحد في طلب العلم إلا وملك موكل به يبشره بالجنة ومن مات وميراثه المحابر والأقلام دخل الجنة. وعن علي رضي الله عنه أقل الناس قيمة أقلهم علماً وقيل قيام الدنيا بأربعةٍ بعلم العلماء وعدل الأمراء وعبادة البدلاء وسخاوة الأسخياء. وقيل الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك ومن غرس العلم اجتنى النباهة. وسئل بعضهم هل العلم أفضل أو المال فقال المالقال فما بال الناس يرون أصحاب العلم على أبواب أصحاب الأموال من غير عكس قال العلماء عارفون بمنفعة المال وأصحاب الأموال جاهلون منفعة العلم. وقيل ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحت فيه النية وكان يقال تعلموا العلم وإن لم تنالوا به حظاً فلان يذم الزمان لكم خير من أن يذم بكم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم رجلاً وروي كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال العلم بالله والفقه في دينه وكررهما عليه فقال يا رسول الله أسألك عن العمل قتخبرني عن العلم فقال ان العلم ينفعك معه قليل العمل وان الجهل لا ينفعك معه كثير العمل المتعبد بغير علم كحمار الطاحونة يدور ولا يقطع المسافة. وعن عيسى عليه السلام من علم وعمل عد في الملكوت الأعظم عظيماً. وعن الزهرى تعلم العلم سنة خير من عبادة سنتين وثمرة الأدب العقل الراجح وثمرة العلم العمل الصالح وافضل ما أعطي العبد في الدنيا الحكمة وفي الآخرة الرحمة. وعن الحسن من استتر عن الطلب بالحياء لبس للجهل سربالاً فاقطعوا سرابل الحياء فان من رق وجهه رق علمه وعن مجاهد لا يتعلم العلم مستحي ولا متكبر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما نحل والد ولده نحلاً أفضل من أدب قيل من لم يؤدبه الابوان أدبه الملوان ( أي الليل والنهار) وقال لقمان اغد عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك. فال ذو النون المصري اياك أن تطلب العلم بالجهل قيل كيف ذلك قال اذا قصدت العلم في غير وقته وتخطيت الرقاب وتركت في طلبه حرمة الشيوخ ولم تستعمل فيه السكينة والوقار والأدب فذلك طلب العلم بالجهل وقيل ما عصي الله بمعصية أشد من الجهل الى غير ذلك من الأثار الدالة على فضل العلم والأدب وذم الجهل وقال بعضهم:

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله     وأجسامهم قبل القبور قبور

وكل امرء لم يحي بالعلم ميت            وليس له حتى النشور نشور

وقال آخر:

 

ما مات من كان حي ذكره أبداً            وفي الدفاتر قد تتلى فوائده

ولم يزل ذكره في الناس منتشراً     وينفع الخلق في الدنيا عوائده

وقيل:

 

العلم أنفس شيء أنت ذاخره         من يدرس العلم لم تدرس مفاخره                    

فاجهد بنفسك في ما أنت جاهله     فأول العلم إقبال وآخره

 

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ووفقنا للعمل بما علمنا واهدنا الصراط المستقيم.

 

الصدق والكذب:

الصدق هو الإخبار بما يطابق الواقع في نفس الأمر والكذب ضده وهو الإخبار بما يخالف الواقع في نفس الأمر أيضاً فلا حلية للإنسان أفضل من الصدق ولا رذيلة كالكذب. روى الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له يا أبا بكر عليك بصدق الحديث ووفاء العهد وحفظ الأمانة فإنها وصية الأنبياء وعنه صلى الله عليه وسلم الكذب مجانب الإيمان ويقال راس المأثم الكذب وعمود الكذب البهتان. قال أرسطاليس فضل الناطق على الأخرس بالنطق وزين النطق الصدق فالأخرس والصامت خير من الناطق الكاذب. من اشتهر بالكذب علم رياؤه ومهانته وعدم حياؤه وأمانته ان عاقد لم يوثق بعقده وان واعد لم يسكن الى وعده وان تظلم تسرعت اليه التهمة وان تألم تباعدت عنه الرحمة يقال أما يخاف الكذوب أن يذوب قيل من صدقت لهجته ظهرت حجته ومن قل صدقه قل صديقه وقيل الكذوب بين مهانة الدنيا وعذاب الآخرة وقال بعضهم لو لم أترك الكذب تأثماً لتركته تكرماً وقال بعض الحكماء لا تأمن من كذب لك أن يكذب عليك سكت الأحنف عند الحجاج فقال له لم لا تتكلم فقال أخافك ان صدقت وأخاف الله ان كذبت وأوصى المسترشد ابنه عند وفاته فقال يا بني ان اردت المهابة فلا تكذب فإن الكاذب لا يهاب ولو حف به مائة الف سيف، وقال العباس لابنه عبد الله رضي الله عنهما انى أرى عمر (ابن الخطاب رضي الله عنه) يقدمك على الشيوخ فاحفظ عني ثلاثاً لا تفشين سراً ولا تغتابن أحداًعنده ولا تجرين عليه كذبة وعن قتيبة بن مسلم لا تطلبوا الحوائج من كذوب فإنه يقربها وان كانت بعيدة ويبعدها وان كانت قريبة. وقال فيلسوف من عرف من نفسه الكذب لم يصدق الصادق. وعن بعض العلماء لعنة الله على من له لسانان ووجهان. أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم التجار فقال يا معشر التجار ان الله باعثكم يوم القيامة فجاراً إلا من صدق ووصل وأدى الأمانة والأحاديث والأثار في مدح الصدق وذم الكذب كثيرة ويرحم الله الحريري حيث يقول:

عليك بالصدق ولو أنه        أحرقك الصدق بنار الوعيد

وابغ رضا الله فا غبي الورى    من أسخط المولى و أرضى العبيد    

 

حفظ الصحة

ان حفظ الصحة من أشد الواجبات على الإنسان اذ كانت من أفضل النعم عليه فيكون من الواجب أن يجتنب كل ما يضر بالصحة فإن المريض كالمحبوس بل يكون الحبس في بعض الأحيان أخف ضرراً وأهون خطراً من المرض نظراً لوجود الصحة التي لا تعادلها قيمة وما يجب اجتنابه خصوصاً إدخال الطعام على الطعام فلا تأكل قبل الجوع والهضم ولا تشرب قبل العطش وقد قيل رب أكلة هاضت الأكل واحرمته مآكل وهكذا اكل الفاكهة والاثمار التي لم تنضج فانها تسبب الحميات وجدد هواء المنزل واستنشق الهواء الطيب الخالي مما يضر وتحفظ من البرد في حالة النوم ولا تخرج من محل شديد الحرارة الى مكان إلا بالتدريج واستعمل الوسائط الواقية ولا تشرب وتقف في الهواء وانت في حالة التعب ولا تغتسل في حالة الإمتلاء من الطعام حافظ على السواك في كل وقت لحفظ الأسنان ونكهة الفم وغير ذلك من المنافع التي تنشأمن المحافظة عليه وفضّل المآكل البسيطة الجديدة والماء الجاري على الراكد واجتهد بتحصيل كل ما فيه بقاء الصحة التي هي رأس مال حياة الإنسان واحترز من شرب الماء البارد على الريق وقد سئل الحارث عن الحمية فقال الإقتصاد في الأكل لأن الأكل فوق المقدار يضيق على الروح ساحاتها ويسد مسامها وقيل كفى بالمرء عاراً أن يكون صريع مأكله وقتيل انامله فكم لقمة أكلت نفس حر واكلة منعت اكلات دهر. قال الحارث البطنة بيت الداء والحمية رأس الدواء وعن جالينوس استدامة الصحة بترك التكاسل في الرياضة وبترك الإمتلاء من الطعام والشراب وعنه الاقلال من الضار خير من الاكثار من النافع

ولابن سينا

جميع الطب في البيتين درج        وحسن القول في قصر الكلام

فقلل ان اكلت وبعد اكل           تجنب فالشفا في الانهضام   

وليس على النفوس اشد بأساً        من ادخال الطعام على الطعام

الدولة العثمانية

وفي سنة 688 ظهرت الدولة العثمانية باسيا الصغرى وجدهم سليمان شاه واول خلفائهم السلطان الغازي عثمان خان الذي هو اصل نسبتهم وفي 699 استقلت الدولة العلية العثمانية. وفي سنة 717 فتحت بروسه وجعلتها دار الملك وفي سنة 728 ضربت السكة العثمانية وفي سنة 729 صار الإبتداء بتأليف العسكر الموظف وفي سنة 758 فتحت كليبولي من قطعة اوربا وابتدأت بالفتوحات الأوربية وفي سنة 857 فتحت الأستانة وتوغلت في البلاد وحاصرت ويانه عاصمة النمسا دفعتين ودخل في حوزتها جميع بحر الأسود وحصلت من القوة والعظمة على ما لا مزيد عليه مما هو مذكور في المطولات وقد اعترض المؤرخون على تقدمها في اوربا وتركها الجهات الاسية التي يوافقها اكثر الهاليها مذهباً وبعضهم جنساً فان توغلها في اوربا بين اهال يخالفونها جنسا ودينا ولغو مما يجعلها غير مرتاحة وقد وصفت باهمال ادخال العلوم والمعارف وخصوصاً الصنائع في زمن ترقي الأجانب واجتهادها في المعارف والصنائع وقد الهاها عن احراز ذلك لذة الفتوح مما جعل امثالها من الدول الأوربية يفوقونها بتعميم المعارف والصنائع في ممالكهم مما لا ينكر واول من فطن لذلك المرحوم السلطان محمود خان الغازي فأمر بفتح المدارس وقد أخذت المعارف بعد ذلك تترقى في ايام المرحوم السلطان عبد المجيد خان غير أن حرمان الأهالي من المساواة في الخدمة بحسب الاستحقاق حال دون نيل المرام لأن المساواة توجب الإتحاد وهو يوجب القوة وفي ايام المرحوم السلطان عبد العزيز صار تأليف القوة العسكرية بشكل جديد ثم في ايام سلطاننا الأعظم السلطان الغازي عبد الحميد خان ابن المرحوم السلطان الغازي عبد المجيد خان نشر القانون الأساسي الذي يأمر بالحرية والمساواة ونبذ الاستبداد مما يقتضيه الحال فانقاذ ما اشتمل عليه من المواد يتوقف عليه تحسين الأحوال.

اعلم ايها القارئ ان تقدم الوطن لا يكون الا بنبذ الغرض الذاتي وحب الخير لأهله فإذا وفقت لأن تكون ذا نفوذ في وطنك فاحرص على ترقية حب من يخدم الوطن بالأمانة والصدق وانبذ احترام من لا يحترم المصالح العمومية واذا جعلت مصدراً لخدمة الوطن فاقنع بما يوجب حمدك ولا يغرك المال فان العدل من اعظم ما يحمد عليه البشر وفقنا الله تعالى لما يجب علينا من العدل في كل الأمور فانه كما قيل (ملح الأرض)